يستعرض نيل شيرينج، الزميل المشارك في برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي، تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد العالمي، مع دخول الصراع أسبوعه الثاني. يقيس الناس الكلفة الأولى للحروب بعدد الأرواح المفقودة، غير أن الاقتصاديين ينظرون أيضاً إلى كلفة أخرى تتمثل في الآثار الاقتصادية. قد تكون تلك الآثار كبيرة، لكنها لن تتوزع بالتساوي بين دول العالم. ستتحمل بعض الاقتصادات أعباء ثقيلة، بينما قد تواجه اقتصادات أخرى تأثيراً محدوداً نسبياً.
يؤكد تحليل نشره تشاتام هاوس أن الحرب في الشرق الأوسط لا تُحدث عادةً صدمة مباشرة ضخمة في الناتج الاقتصادي العالمي، لأن وزن اقتصادات المنطقة في الاقتصاد العالمي يبقى محدوداً. تمثل اقتصادات الخليج ما بين 2 و3 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولذلك لن يؤدي حتى ركود حاد في المنطقة إلى خفض كبير في الإنتاج العالمي.
تأثيرات مباشرة على اقتصادات المنطقة
يتحمل الشرق الأوسط العبء الاقتصادي الأكبر للصراع. تشير التجارب السابقة إلى حجم الخسائر المحتملة. خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً في الصيف الماضي، انكمش الاقتصاد الإسرائيلي بنحو واحد في المئة خلال الربع الثاني من العام. إذا انتهى الصراع الحالي بسرعة، قد يواجه اقتصاد إسرائيل واقتصادات الخليج انخفاضاً مماثلاً في الناتج.
لكن استمرار الحرب لفترة أطول سيعمق الضرر الاقتصادي. يعرقل الصراع النشاط الإنتاجي، ويؤجل المستثمرون قراراتهم، وتتراجع حركة السياحة. أما الاقتصاد الإيراني فقد يواجه ضربة أشد. تشير التجارب المقارنة مع حروب أخرى إلى احتمال انخفاض الناتج المحلي الإيراني بأكثر من عشرة في المئة، رغم أن إيران نشرت آخر بيانات رسمية لناتجها المحلي عام 2024.
الطاقة وممرات التجارة العالمية
تتمثل المخاطر العالمية الرئيسية في اضطراب إمدادات السلع التي تصدرها المنطقة إلى بقية العالم. تكشف الأزمات غالباً نقاط اختناق لم تكن ظاهرة من قبل. تنتج قطر مثلاً نحو 40 في المئة من الهيليوم العالمي، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات. كما تنتج المنطقة كميات كبيرة من الأمونيا والنيتروجين المستخدمين في صناعة الأسمدة.
يبقى قطاع الطاقة القناة الأهم لانتقال الصدمة الاقتصادية. يعبر نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز، إلى جانب نحو خُمس شحنات الغاز الطبيعي المسال. يؤدي أي اضطراب في هذا الممر البحري الضيق إلى تأثير فوري في أسواق الطاقة العالمية. ارتفعت بالفعل أسعار النفط والغاز خلال الأسبوع الماضي بعد تراجع حركة الشحن عبر المضيق.
يشرح الاقتصاديون آلية انتقال هذه الصدمة عبر ما يسمى شروط التبادل التجاري، أي العلاقة بين أسعار صادرات الدولة وأسعار وارداتها. عندما ترتفع أسعار الطاقة تنتقل الثروة من الدول المستوردة للطاقة إلى الدول المصدرة لها.
الرابحون والخاسرون في الاقتصاد العالمي
يعتمد تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على ثلاثة عوامل رئيسية: ما إذا كانت الدولة مستوردة أو مصدرة للطاقة، ومدى ارتفاع الأسعار واستمراره، وطبيعة استجابة الحكومات والشركات والأسر لهذا التغير.
تستفيد الدول المصدرة للطاقة خارج الخليج أكثر من غيرها. تحقق دول مثل النرويج وروسيا وكندا مكاسب واضحة إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة، لأن قدرتها على تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية تبقى مستقرة.
في المقابل، تواجه الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة ضغوطاً أكبر. تشمل هذه الفئة دولاً صناعية كبيرة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند والصين، إضافة إلى معظم الاقتصادات الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.
يقع الاقتصاد الأميركي في موقع متوسط بين الطرفين. أدى تطور إنتاج النفط والغاز الصخري إلى تحول الولايات المتحدة من مستورد ضخم للطاقة إلى مصدر صافٍ محدود. لذلك قد يستفيد الاقتصاد الأميركي إجمالاً من ارتفاع أسعار الطاقة، رغم أن المستهلكين الأميركيين سيواجهون بدورهم زيادة في أسعار الوقود.
التضخم والاقتصادات الناشئة
ينتقل الأثر الأساسي لارتفاع أسعار الطاقة في الدول المستوردة عبر التضخم. تؤدي زيادة أسعار النفط والغاز إلى ارتفاع تكلفة الواردات، ما يضغط على دخول الأسر ويضعف القوة الشرائية. إذا بقيت أسعار النفط في حدود 70 إلى 80 دولاراً للبرميل، فقد ترتفع معدلات التضخم في أوروبا وآسيا بنحو نصف نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات السابقة، مع تأثير محدود على نمو الناتج.
لكن ارتفاع الأسعار إلى نحو 100 دولار للبرميل واستمرارها عند هذا المستوى قد يرفع التضخم بنحو نقطة مئوية كاملة ويخفض النمو العالمي بنسبة تتراوح بين 0.25 و0.4 نقطة مئوية. في هذه الحالة قد تتردد بعض البنوك المركزية، مثل بنك إنجلترا، في خفض أسعار الفائدة.
تواجه بعض الاقتصادات الناشئة تحديات إضافية. تخفف الحكومات في عدد من هذه الدول أثر ارتفاع الأسعار عبر دعم الطاقة. يعني ذلك أن الحكومات تتحمل العبء المالي بدلاً من الأسر والشركات. قد يخفف هذا النهج الضغوط الاقتصادية على المدى القصير، لكنه يضعف المالية العامة للدولة.
تبدو بعض الدول أكثر عرضة للمخاطر من غيرها، خصوصاً تلك التي تعتمد بقوة على استيراد الطاقة وتعاني في الوقت نفسه من أوضاع مالية هشة. يضع التحليل دولاً مثل مصر وتونس ضمن الاقتصادات التي قد تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة، كما قد يفاقم هذا الارتفاع هشاشة الاقتصاد الباكستاني.
في النهاية، يرى التحليل أن الاقتصاد العالمي قادر على امتصاص صدمة الحرب ما لم تتوسع رقعة الصراع أو تتعطل إمدادات الطاقة لفترة طويلة. يبقى الأثر الاقتصادي للحرب حقيقياً، لكنه يظل متفاوتاً بين الدول، وقد يظل قابلاً للاحتواء على المستوى العالمي إذا بقيت أسعار الطاقة ضمن حدود يمكن إدارتها.
https://www.chathamhouse.org/2026/03/how-will-iran-war-affect-global-economy

